الحلبي
271
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
قد رغبت في هذا الدين ، وأحببت أن أكون معك ، فأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك ، قال : ادخل ، فدخلت معه ، فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها ، فإذا جمعوا إليه أشياء منها اكتنزها لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق ، فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات ، فاجتمعت النصارى ليدفنوه . فقلت لهم : إن هذا كان رجل سوء ، يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها ، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا ، فقالوا لي : وما أعلمك بذلك ؟ فقلت : أنا أدلكم على كنزه ، فأريتهم موضعه ، فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا . وفي رواية : وجدوا ثلاثة قماقم فيها نحو نصف أردب فضة ، فلما رأوها قالوا : واللّه لا ندفنه أبدا ، فصلبوه ورموه بالحجارة : أي ولم يصلوا عليه صلاتهم مع أن هذا الراهب كان يصوم الدهر ، وكان تقيا عن الشهوات . ومن ثم قال في الفتوحات المكية : أجمع أهل كل ملة على أن الزهد في الدنيا مطلوب . وقالوا : إن الفراغ من الدنيا أحب لكل عاقل خوفا على نفسه من الفتنة التي حذرنا اللّه تعالى منها بقوله : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [ الأنفال : الآية 28 ] هذا كلامه . قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رضي اللّه تعالى عنه : ومن فوائد الرهبان أنهم لا يدّخرون قوت الغد ، ولا يكنزون فضة ولا ذهبا . قال : ورأيت شخصا قال لراهب : انظر لي هذا الدينار هو من ضرب أي الملوك ؟ فلم يرض ، وقال : النظر إلى الدنيا منهيّ عنه عندنا . قال : ورأيت الرهبان مرة ، وهم يسحبون شخصا ويخرجونه من الكنيسة ، ويقولون له : أتلفت علينا الرهبان ، فسألت عن ذلك ، فقالوا رأوا على عاتقه نصفا مربوطا . فقلت لهم : ربط الدرهم مذموم ؟ فقالوا : نعم عندنا وعند نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ، هذا كلامه . وعند ذلك جاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه ، فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه : أي لا أظن أحدا غير المسلمين أفضل منه ، ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ، ولا أدأب ليلا ونهارا منه ، فأحببته حبا شديدا لم أحبه شيئا قبله ، فأقمت معه زمانا حتى حضرته الوفاة ، فقلت له : يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا قبلك ، وقد حضرك من أمر اللّه ما ترى ، فإلى من توصني ؟ قال : أي بنيّ ، واللّه ما أعلم أحدا على ما كنت عليه ، لقد هلك الناس وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان ، وهو على ما كنت عليه ، فلما مات وغيب : أي دفن لحقت بصاحب الموصل فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي ، فقال : أقم عندي ، فأقمت عنده ، فوجدته على أمر صاحبه ، فأقمت مع خير رجل . فلما احتضر ، قلت له : يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق